محمد غازي عرابي
767
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
على المؤمن أن يبقى صامدا في حرب الأسماء ونزاعاتها حتى يأتي اللّه أمرا كان مفعولا ، ويجيء نصر اللّه والفتح ، عندئذ ينكشف النزاع عن سلام باطني عميق . فعن الناس لا تسل ، ولا تبال بما يقع ، لأن ما يقع بإذن اللّه وقضائه وقدره ، ولقد مر البسطامي بمقبرة لليهود فرفع يديه مدا وقال مخاطبا ربه : ما هؤلاء ؟ كف عظام جرت عليهم المقادير ، أعف عنهم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 11 إلى 13 ] وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ( 11 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 12 ) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) [ العنكبوت : 11 ، 13 ] سبق أن تحدثنا عن العلم المطلق والعلم المقيد بالزمان والمكان ، وانتقدنا أرسطو وأفلوطين ومعهما ابن سينا الذي ظل حينا أرسطيا يدرب درب المعلم الأول لموقفهم الذي أعلنوا فيه جهل اللّه للجزئيات والأحداث الجزئية . فاللّه بكل شيء محيط ، فهو حين بعث الصفة منه كانت الصفة مضمرة فأودعها النفس الحيوانية ذات القوى ، فبدأت الصفة تتفتق بتأثير التناقض والتضاد . . حتى إذا خاض صاحب الصفة حرب العيانات في العالم الخارجي واجه الصراعات أيضا التي ساعدت على فتق الصفة أكثر ، ولما كانت الحرب كرا وفرا وشكا ويقينا وخوفا وأمنا كان اللّه لهذا المرصاد ، وكان الملهم والمسدد والموحي ما فيه الصلاح لإتمام تحقيق فتق الصفة ، ولما كانت حرب الصفات ذات استراتيجية أي خطة شاملة محدودة ، وذات تكتيك أي خطة متطورة متغيرة كان اللّه صاحب الاستراتيجية والتكتيك أيضا ، فالحق إن يعلم الجزئيات لا يعلم ردود الفعل الناجمة من حرب الصفات ذاتها ، وهذا أمر بدهي كحال كل قائد جيش يراقب المعركة عن كثب ويقودها من ثم بخبرته وأوامره ، والنتيجة حتمية وهي انتصار الكليات أي تحقق الإستراتيجية الموضوعة سابقا من قبل الحق والتي ستتحقق حتما ما دام للّه الأمر من قبل ومن بعد ، وما دام الإنسان آلة الحق وإمكانه ونشاطه وقواه . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 14 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) [ العنكبوت : 14 ] عدد السنين إشارة إلى طول زمن دعوة نوح قومه إلى التوحيد ، والطوفان ناجم عن عدم إجابة نوح ، فلا يركب فلك نوح إلا من نجا من طغيان الأنا وأمر الصفات ، وما دام الاسم